الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
338
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فعند من قرأ ( إن ) مخفّفة وشدّة الميم وهو أبو بكر عن عاصم تكون ( إن ) مخفّفة من الثقيلة ، وأمّا من شدّد النون ( إنّ ) وشدّد الميم من ( لمّا ) وهم ابن عامر ، وحمزة ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، وخلف فتوجيه قراءتهم وقراءة أبي بكر ما قاله القراء : إنّها بمعنى ( لمن ما ) فحذف إحدى الميمات الثلاث ، يريد أنّ ( لمّا ) ليست كلمة واحدة وإن كانت في صورتها كصورة حرف ( لمّا ) في رسم المصحف ( لأنّه اتّبع فيه صورة النطق بها ) وإنّما هي مركّبة من لام الابتداء و ( من ) الجارة التي تستعمل في معنى كثرة تكرّر الفعل كالتي في قول أبي حية النمري : وإنّا لممّا نضرب الكبش ضربة * على رأسه تلقي اللسان من الفم أي نكثر ضرب الكبش ، أي أمير جيش العدوّ على رأسه . وقول ابن عبّاس : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يلاقي من الوحي شدّة ، وكان ممّا يحرّك لسانه حين ينزل عليه القرآن ، فقال اللّه تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [ القيامة : 16 ] الآية . فأصل هذه الكلمات في الآية على هذه القراءات : وإنّ كلا لمن ما ليوفينهم ، فلمّا قلبت نون ( من ) ميما لإدغامها في ميم ( ما ) اجتمع ثلاث ميمات فحذفت الميم الأولى تخفيفا وهي ميم ( من ) لوجود دليل عليها وهو الميم الثانية لأنّ أصل الميم الثّانية نون ( من ) فصار ( لمّا ) . ولام لَيُوَفِّيَنَّهُمْ لام قسم . ومعنى الكثرة في هذه الآية الكناية عن عدم إفلات فريق من المختلفين في الكتاب من إلحاق الجزاء عن عمله به . والمعنى : وإنّ جميعهم للاقون جزاء أعمالهم لا يفلت منهم أحد ، وإن توفية اللّه إياهم أعمالهم حقّقه اللّه ولم يسامح فيه . فهذا التخريج هو أولى الوجوه التي خرجت عليها هذه القراءة وهو مروي عن الفراء وتبعه المهدوي ونصر الشيرازي النّحوي « 1 » ومشى عليه البيضاوي . وقد أنهاها أبو شامة في « شرح منظومة الشّاطبي » إلى ستّة وجوه وأنهاها غيره إلى ثمانية وجوه . وفي تفسير الفخر : سمعت بعض الأفاضل قال : إنّ اللّه تعالى لمّا أخبر عن توفية الأجزية على المستحقّين في هذه الآية ذكر فيها سبعة أنواع من التّوكيدات ، أوّلها : كلمة
--> ( 1 ) هو نصر بن علي بن محمد الشيرازي الفسوي الفارسي المعروف بأبي مريم ، خطيب شيراز . له « تفسير القرآن » ، و « شرح إيضاح أبي علي الفارسي » . كان حيا سنة 565 .